Cuentos Infantiles Qisas Lil‘tfal قصص للأطفال
 

العصفوران الصغيران

 

قصة: د . طارق البكري

 

التقى عصفوران صغيران على غصن شجرة زيتون كبيرة في السن ، كان الزمان شتاء ..
الشجرة ضخمة ضعيفة تكاد لا تقوى على مجابهة الريح .
هز العصفور الأول ذنبه وقال :
مللت الانتقال من مكان إلى آخر … يئست من العثور على مستقر دافئ .. ما أن نعتاد على مسكن وديار حتى يدهمنا البرد و الشتاء فنضطر للرحيل مرة جديدة بحثا عن مقر جديد و بيت جديد ..
ضحك العصفور الثاني .. قال بسخرية : ما أكثر ما تشكو منه وتتذمر .. نحن هكذا معشر الطيور ؛ خلقنا للارتحال الدائم ، كل أوطاننا مؤقتة .
قال الأول :أحرام علي أن أحلم بوطن وهوية .. لكم وددت أن يكون لي منزل دائم و عنوان لا يتغير ..
سكت قليلا قبل أن يتابع كلامه : تأمل هذه الشجرة ؛ أعتقد أن عمرها أكثر من مائة عام .. جذورها راسخة كأنها جزء من المكان ، ربما لو نقلت إلى مكان آخر لماتت قهرا على الفور لأنها تعشق أرضها ..
قال العصفور الثاني : عجبا لتفكيرك ...أتقارن العصفور بالشجرة ‍؟ أنت تعرف أن لكل مخلوق من مخلوقات الله طبيعة خاصة تميزه عن غيره ؛ هل تريد تغيير قوانين الحياة والكون ؟ نحن – معشر الطيور – منذ أن خلقنا الله نطير و نتنقل عبر الغابات و البحار و الجبال والوديان والأنهار ..
عمرنا ما عرفنا القيود إلا إذا حبسنا الإنسان في قفص …وطننا هذا الفضاء الكبير ، الكون كله لنا .. الكون بالنسبة لنا خفقة جناح ..
رد الأول : أفهم .. أفهم ؛ أوتظنني صغيرا إلى هذا الحد ؟؟
أنا أريد هوية .. عنوانا .. وطنا ، أظنك لن تفهم ما أريد …
تلفت العصفور الثاني فرأى سحابة سوداء تقترب بسرعة نحوهما فصاح محذرا:
هيا .. هيا .. لننطلق قبل أن تدركنا العواصف والأمطار .. أضعنا من الوقت ما فيه الكفاية .
قال الأول ببرود : اسمعني ؛ ما رأيك لو نستقر في هذه الشجرة …تبدو قوية صلبة لا تتزعزع أمام العواصف ؟
رد الثاني بحزم : يكفي أحلاما لا معنى لها ... سوف انطلق وأتركك …
بدأ العصفوران يتشاجران ..
شعرت الشجرة بالضيق منهما ..
هزت الشجرة أغصانها بقوة فهدرت مثل العاصفة ..
خاف العصفوران خوفا شديدا ..
بسط كل واحد منهما جناحيه ..
انطلقا مثل السهم مذعورين ليلحقا بسربهما …

 


 

محكمة الألوان

 

قصة: د.طارق البكري

 

أزرق.. أصفر.. أخضر.. أحمر..
ألوان تزهو تتبختر..
هذه ألوان مائية.. تلك ألوان زيتية.. وأقلام: صينية، خشبية، شمعية.. وهذا مسرورٌ فنان.. مشغول بسحر الألوان..
غرفته باقات وزهور.. في كل ركن ريشة.. لوحة.. وقلم ملون.. هنا بقعة زرقاء.. فوق البساط الأخضر بقعة حمراء.. على الجدران خطوط مثل قوس قزح.. وحتى على فراشه الذي ينام فيه.. آثار الألوان..
مسرور لا يخرج من بيته.. دون حقيبة صغيرة.. تحوي كل الألوان.. وريشاً بأحجام متنوعة، وفرشاة كثيفة الشعر.. مروسة الرأس..
ثياب مسرور تظل دائماً ملطخة بالألوان..
حقيبة مسرور ملونة..
طاولة مسرور ملونة..
أصابعه.. تحت أظفاره..
حياته كلها.. ألوان.. ألوان.. ألوان..
لكل لون عنده معنى..
الزهري للورود التي تعطي ولا تأخذ..
الأخضر.. للعشب والنماء.. والطبيعة الساحرة..
الأسود.. لليل المجهول.. والنجوم البراقة.. للهدوء والسكون..
الأزرق.. للمدى الواسع، والأفق الرحب.. مثل السماء.. مثل البحر..
الأصفر.. للإخلاص والصدق.. وعودة الحياة بعد الفناء.. مثل أوراق الشجر.. تموت لتحيا من جديد..
..............
..............
مسرور لا يرسم الأشياء والأشكال..
يرسم الألوان.. لكل لون عنده تعبير خاص..
يرسم الألوان.. ثم يأتي بالأشياء لترتدي اللون الذي يريده.
كل من حوله.. يقول: إن للون عند مسرور معنى جديداً لا نعرفه..
فكر مسرور..
للألوان حياة.. للألوان روح..
ولكل حياة ولكل روح معنى وهدف..
صار يبحث عن معنى الألوان..
صار يبحث ويفكر.. ويفكر.. قضى وقتاً طويلاً يبحث عن أسرار الألوان..
أصعب لون صادفه: الأبيض.. ومن بعده الأحمر..
الأبيض.. ما هذا اللون؟! لا شيء.. أما الأحمر.. فلون الألم.. لون الجرح..
أخبروه أن الأبيض رمز للسلام.. والأحمر لون الدم والحرية..
لكن ما معنى السلام؟
حمامة بيضاء.. غصن زيتون أخضر.. شغله اللون الأبيض..
لماذا لم تكن الحمامة سوداء.. شعارها ريشةُ الألوان..
بحث في معاجم الألوان.. في لوحات الفن العريق.. فتش عن كل ألوانه البيض.. أسقطها فوق الأوراق البيض.. فوق الأوراق السود..
فوق الأوراق الخضر.. لم يجد غير فراغ.. إذن.. هذا معنى السلام؟!
مستحيل؟! أين السلام.. أين السلام؟!
أصرّ مسرور على مواصلة البحث.. من أين يمكن أن يبدأ؟!
ما أصل اللون الأبيض؟
الأبيض يعني الفراغ.. هل يمكن أن نبني مكتبة، كل كتبها من الأوراق البيضاء.. دون حبر أسود.. وألوان؟!
هل يمكن أن يُصدر دار للنشر كتاباً كله أوراق بيضاء.. ويسميه الناس:
الكتاب الأبيض؟!
ولماذا حمامة السلام بيضاء؟!
أليس الدِّيك الملون أجمل؟!
أليس الطاووس الملون أجمل؟!
ما معنى اللون الأبيض؟!
وتوصَّل مسرور إلى أن البياض شيء لا معنى له.. وقرر أن يزيل كل ما هو أبيض من غرفته، فهو يحب الألوان.. والأبيض ليس من الألوان..
قام مسرور على الفور.. أحضر كيساً أسود كبيرًا، وضع فيه كل الألوان البيضاء.. لم يبقِ قلماً ولا زيتاً ولا شمعاً أو أي شيء لونه أبيض.. كل الألوان البيضاء داخل الكيس الأسود..
كانت الألوان كلها تراقب ما يحدث.. شعرت بسخط شديد.. راحت تتحدث دون أن يسمعها مسرور:
قال اللون الأخضر: >كارثة.. كيف نقبل أن يزول اللون الأبيض؟!.. مستحيل..<
قال اللون الأصفر: ما فائدتنا كلنا لو سقط منا لون واحد؟
قال اللون الأسود: ما معنى الأسود دون الأبيض؟!
وصاحت الألوان كلها بصوت واحد: يجب أن نثور.. أن نعترض.. فلنُعلن العصيان..
فجأة.. اختفت جميع الألوان من الغرفة..
أمر لا يُصدق.. كل شيء بلا لون..
نظر مسرور من نافذته.. لم يجد الألوان..
السماء.. الأشجار.. الطيور.. الأزهار.. السيارات.. كلها.. كلها.. من دون ألوان
حتى اللون الأبيض لم يعد موجوداً..
فقدت الأشياء حياتها وروحها.. أصبحت مثل خطوط شفافة.. كل شيء أصبح مثل السراب..
شعر مسرور بالرهبة..
ماذا فعلتُ؟!
ماذا جنيتُ؟!
اختفت كل الألوان.. إنها تعاقبني.. كلها تعاقبني من أجل لون واحد.
أسرع مسعود.. فتح الكيس الذي وضع فيه اللون الأبيض.. صار يرجوه ليسامحه ويخرج من الكيس حتى تعود جميع الألوان..
اجتمعت الألوان حول مسعود.. بعد أن قررت محاكمته، اختارت اللون الأبيض ليكون قاضياً في المحكمة.. واللون الأحمر ليكون ممثل الادعاء، وبعد أن سمع القاضي مرافعة ممثل الادعاء.. وشهادة الأشياء التي تحب الألوان استمع إلى اعتذار مسعود واعترافه بذنبه..
رقّ قلب القاضي لحال مسعود، وأعلن أنه سيمنح مسعوداً العفو بشروط:
أن يجعل اللون الأبيض شعار حياته وأن يحترم جميع الألوان.. ويقدّر عالياً اللون الأحمر.. لون الدم.. رمز البطولة والشهادة والفداء..
هنا قال مسرور بأعلى صوته: >موافق.. موافق.. سوف التزم بجميع الشروط..
هنا أعلن اللون الأبيض عن شكره لجميع الألوان.. لأنه لا يمكن أن يحيا لوحده دون أن تحميه الألوان الأخرى.. وخصوصاً اللون الأحمر..
قام الجميع فرحين بنتيجة المحاكمة.. وراحوا يصفقون ويزغردون..
في تلك اللحظة عادت الألوان إلى حقولها وبساتينها وجبالها.. وبحارها.. وإلى كل الأشياء الجميلة الرائعة في الكون.

 


 

الزرافة زوزو

 

قصة : د . طارق البكري

 

زوزو زرافة رقبتها طويلة ..
الحيوانات الصغيرة تخاف منها .. مع أنها لطيفة … لطيفة …
عندما تراها صغار الحيوانات تسير تخاف من رقبتها التي تتمايل ..تظن أنها قد تقع عليها …
أحيانا لا ترى الزرافة أرنبا صغيرا أو سلحفاة لأنها تنظر إلى البعيد ..
وربما مرت في بستان جميل وداست الزهور ..
عندها تغضب الفراش و النحل ..
الحيوانات الصغيرة شعرت بالضيق من الزرافة ..
الزرافة طيبة القلب .. حزنت عندما علمت بذلك ..
صارت الزرافة تبكي لأنها تحب الحيوانات جميعا ..
لكن الحيوانات لم تصدقها …
رأت الزرافة عاصفة رملية تقترب بسرعة من المكان ..
الحيوانات لا تستطيع رؤية العاصفة لأنها أقصر من الأشجار..
صاحت الزرافة محذرة الحيوانات ..
هربت الحيوانات تختبئ في بيوتها وفي الكهوف وفي تجاويف الأشجار ..
لحظات وهبت عاصفة عنيفة دمرت كل شيء …
بعد العاصفة شعرت الحيوانات أنها كانت مخطئة في حق الزرافة فصارت تعتذر منها ..
كانت الزرافة زوزو سعيدة جدا لأنها تحبهم جميعا …

 


القلب الكبير " قصه قصيره " و شيخ البلد " قصه قصيره " و طالع الشجرة "

 قصة للاطفال " - عبدالله عيشان

 

القلب الكبير " قصه قصيره "

      جلس في احدى زوايا " الديوان " مفكرا مهموما بعد نهار حافل بالاحداث وكان يجلس حوله

رجال حمولته من شيوخ وشبان ، والصمت يخيم عليهم جميعا . كانوا ينتظرون منه حديثا وكلاما ،

فهو كبيرهم يريدونه ان يتحدث ، وبما ان منظره يدل على بالغ المه ، فلا بد من احترام هذا الامر في

هذه اللحظة العصيبه ، ومن الخطا ان يحدثوه او يبادروه بكلمة قد تثير المه وتهز كيانه ....

      واخيرا نهض الشيخ من مجلسه ، واختلى ببعض الرجال في الغرفة المجاوره ولم تمض دقائق معدوده

حتى عاد الى مكانه . عاد صامتا ايضا ، فلم ينبس ببنت شفة ولم يساله احد مع ان الاعناق تطاولت

عندما خرج ووقت رجوعه ، وتبادل اهل المجلس النظرات متسائلين عما يجري ، والاف الاسئلة تدور

في راس كل فرد وفرد ، ودلائل الحيره باديه على الوجوه العابسه والقلق يكاد يزهق الارواح ....

      وزاد الجمع حيرة خروج تعض الرجال الذين سارهم الشيخ وحملوا سلاحهم فكانهم يبيتون امرا، 

لا شك ان الشيخ اراد ان يكيل الصاع صاعين والشر بالشر يدفع ، هذه حكمة الزمان وهذا منطقه

الاول والاخير . كان الشيخ حمدان يعيش في نفسه مفكرا ، وبتصرف لوحده - بعد ان يشاور المسنين

من الحموله - فكان الموجه والقائد فقد علمته التجارب ان يتصرف بحكمه وصمت .

     لقد جلس هادئا منبسط الاسارير ، ولم تعد العتمه تكدر ملامح وجهه ، وظن اهل المجلس ان

انبساطها لانه يشعر بالارتياح بعد ان كلف رجاله برد الفعل والثار ، لقد ازاح عن صدره عبئا ثقيلا

تنوء به الجبال .

    كان يجلس ويعرف ما يفكرون به، فهو ادرى الناس بهم ، فالتجارب والاحداث الماضيه علمته ما

فيه الكفايه..يعرف انهم يريدون الانتقام ، ورد الفعل ، والاعتداء على ابناء الحموله الثانيه. يعرف انهم

يتهمونه باللين والمصانعه والمداراه، وانه سبب كل بلوائهم ومصائبهم فيا لهم من جهله لا يعلمون!! .                               

    انه يرى الامر ليس كما يرونه ، فلقد نالوا قسطا اكبر من الامان في الايام الاخيره ، نالوا قسطا من

الراحه والرخاء بعد ان عانوا الامرين زمن والده الشيخ الذي كان يقودهم بنفسه الى المهالك ، لاتفه

الاسباب - رحمه الله - وان لم يكن ليضع اللوم عليه ، اذ شتّان ما بين اليوم والامس . والده كان

يكيل للمعتدي .. الكيل " غراره " ولكنه لا يسلم من الاذى والاضرار . ناهيك عن ارث لا يحسدهم

عليه الا الجاهل .

     فهذه الحوادث بالامس ، ان هي الا نتاح ، المشاكل قديمه العهد ، وهذا الارث الذي يمقته ويبغضه

ويعمل على البراءه منه . فابنه احمد طريح المستشفى مع عشرات الجرحى من الرجال والنساء من كلا

الحمولتين وعشرات من الشبان في السجن من الطرفين المتنازعين - والقريه قلقه مضطربه حزينه كئيته

فاذا مررت بطرقاتها وازقتها لاحظت وجوه اهلها .

     لقد عشش الحقد في الصدور منذ القدم ، ورثه الاباء للابناء ، لقد عاش مدفونا كالنار تحت طبقه

رقيقه من الرماد فما ان تهب نسمه هواء حتى تبعث النار ويتطاير منها الشرر ويحرق كل ما يصيب ،

وجاء الوقت الذي انطلق فيه الحقد من قيده ، وولد شرا ، وتفجرت دماء ، وتكسرت عظام ، وتالمت

جنوب وبكت امهات ومن يدري ، لعل ارواحا تزهق ، فاحمد لا يزال تحت رحمة ربه ، فاقد الوعي

وجراحه بليغه في راسه ، وكذلك جراح الاخرين . لم يكن من رايه يوما ان يسيء التصرف ، ويقابل

الاساءة باختها ولا يرد للمسيء لانه اقوى منه ، ومع انه قادر وقوي الا انه كان دائما يحذر من عداوة

الضعيف والجاهل .. كان يحذرهم كثيرا ، فيوم المظلوم على الظالم اشد من يوم الظالم على المظلوم ،

ولا يؤمن جاهل وبيده السيف ، ولكن اين هم من ادراك ما يقول ، فالموعظه اذا دخلت اذن الجاهل

خرجت من الثانيه ..

     ان الامور تسير على غير طبيعتها ، ان الحقد يزداد وينمو ويكبر ويتجسم ومن يدري ما يخبىء لهم

الغد ؟! ما حدث بالامس قد اصبح واضحا جليا ، ولكن الغد مجهول .الرجال في المستشفى تحت وطأة

الالم ، ابنه فاقد الوعي وقد لا يعيش ، وبعض الرجال على سطوح المنازل مدججين بالسلاح حرصا

ويقظة من يد العابثين ، والاشاعات تنتشر بين ساعه واخرى تتحدث عن موت احمد وموت عنتره من

ابناء الحموله الثانيه يروج لها المارقون الحاقدون .. فما قرعت عصا على عصا الا سر لها قوم وحزن

اخرون !!

     وشط به الفكر بعيدا ، وقال في نفسه : يا له من مجتمع عفن يعيش على الام الناس ويرتفع احدهم

على رقاب الاخرين ، وسالت دمعة من عينه انحدرت على وجنته ، فاسرع واخفاها وهو الذي لم

تدمع له عين من قبل ، ولم تكن نفسه تدري هل نزلت الدمعة حزنا على ولده الطريح في المستشفى ،

ام هاله الموقف المحزن المخيف الذي يمكن ان ينفجر بين لحظه واخرى !! وتذكر الماضي البغيض بحوادثه

والامه ، ايام طفولته وشبابه . فلم يكن يمر يوم بدون هموم واحزان ، فالمزروعات تقلع ، والحصائد

تحرق في الحقول وعلى البيادر ، والاشجار تقطع ، والدماء تسيل والارواح تزهق ... هذه هي حالة

المجتمع انذاك .. والفلاح ينام في كرمه قلقا خائفا من يد الغدر ان تمتد اليه ، والراعي يخرج الى المرعى

مع قطيعه والسكين في جيبه والعصا في يده ، استعدادا للطوارىء ورد العدوان . والمزارعون يخرجون

بثيرانهم الى الحقل جماعات جماعات ، ويتناوبون السهر والحراسه . الى متى يبقى هذا المجتمع مريضا

جاهلا ! مندفعا وراء هفوات بسيطه واخطاء طفيفه يمكن التغاضي عنها بالتفاهم والصفح !! انه يعرف

موقعه منهم ، انه ربان السفينه في هذا البحر المتلاطم الامواج والقلب الكبير بين تلك القلوب المتباينة

العواطف ومتقاطعة الاهواء فلا بد من اتخاذ عمل سريع وحاسم ، لا بد من التحرك ، اما بالقاء البنزين

على النار لتزيدها التهابا واشتعالا ولن تسلم منها نفسه ، واما بالقاء الماء عليها لتخفف من حدتها

وشرها او اطفائها ! فلا بد من واحد من اثنين !!

     لكل هذا ، فقد انتحى بنفر من رجاله وكلفهم بمهام معينه ... ولقد عاد الى مكانه في المجلس ولم

تهدأ نفسه وتطمئن للغيب ، وما سيحمله لهم القدر ، وتقدم الليل وانفض من حوله اهل المجلس ما عدا

عمه المسن ، اما هو فلم ينم ، ولا تزال نفسه تئن تحت وطأة الهم الجديد !!

    وتقدم الليل والساعه الواحده بعد المنتصف ، ولم يبقى في " الديوان " غير اثنين "هو وعمه الشيخ"،

واذ بضجه وجلبة في الخارج ، وخشي ان يكون ذلك انذار لمفارقة ابنه احمد الحياه ، ومرت الصور

السوداء كثيرة في راسه ، فنهض مسرعا ليزيح عن صدره عبئا كاد يقتله ، واذ بثلاثه رجال مكتفين

ومعهم بعض رجاله ...كانوا يحملون ادواتهم في ايديهم .. وتفرس في وجوههم فعرفهم واحدا واحدا،

وهز راسه كثيرا ، ثم انتهر رجاله بان يكفوا عن اذاهم ، وقال لنفسه : هذا ما كنت اخشاه !!

     واطرق مفكرا ، ثم دخل الديوان وتهامس مع الشيخ المسن ، وخرجا معا ، وساق هؤلاء المكتفين

امامه من زقاق الى زقاق حتى انتهى الى دار الشيخ عدنان ... وعمه الشيخ يتعثر الخطى وراءه ! وقبل

ان يصل الدار بقليل نادى باعلى صوته على اصحابها ، واذ برجل من اعلى السطح قد سمع النداء

وعرف صوته ، كان بين صاح ونائم ، انه صوت الشيخ حمدان . وتبادر لذهنه ان ولده احمد قد مات

كما اشيع عنه مساء ، وان الرجل جاء  ليثأر لابنه منهم ... من ابن الشيخ عدنان عدوهم !.. ولم

يستطع ان ينهض  لقد احس ان ظهره قد انقسم نصفين ، ولم يقو على الحركه وقال لنفسه : لقد مات

احمد وبدأت المصاعب بوجهها البغيض الكالح ... وفرك عينيه ليزيل النعاس وسمع النداء ثانية ... لقد

تاكد الان من صحة ما سمع ، انه الشيخ حمدان بنفسه ومعه رجاله ، جاؤوا للانتقام ! وكانت الدار

محكمة الاقفال ، واهلها بين صحو ونوم ، وكان هذا الشاب الابن يحرس دارهم خوفا وحرصا ،

وبندقيته بيده ، وتحرك اخيرا ، وحرك يده ، وراح يتحسس مكان الزناد وقال لنفسه : لا بد من الحذر

والحيطه ولسوف اقتله قبل ان يقتلني ، ولقد يغدو الانسان قاتلا رغم انفه ... وافزعه هذا التفكير

وضاع بين احساساته المتناقضة بموت احمد وبارتكابه القتل !! ودون وعي منه مد فوهة البندقية نحو

الصوت لكي يصيب هدفه بطلقة واحده ، لكنه سمع كلاما اذهله وحيره ، فجمدت يده على الزناد ...

لقد سمع صوتا يقول :

    -يا شيخ عدنان انا حمدان جئت اسلمك هؤلاء الرجال ... وذهل الابن المتربص ، ولكن نفسه

ارتاحت وهدأت اعصابه وتبددت مخاوفه بعد ما سمع ....

ونزل عن السطح من الجهة الخلفية ، ووجد والده قد استيقظ وفتح الباب ، ودخل الشيخ حمدان وعمه

ودخل معهما الرجال .... وابتدرهما بقوله :

     -يا شيخ عدنان ، اتعرف هؤلاء الرجال ؟ واشار الى الثلاثة المكتفين .... وبعد ان تفرس بهم

الرجل قال : نعم اعرفهم !

قال : هل هم من حمولتي او اصحابي او انسبائي ؟

فاجاب الشيخ عدنان لا !!

فقال الشيخ حمدان : بينما كان رجالنا يقومون بحراسة كروم زيتونكم خوفا من العبث بعواطف

الجهلة ، في هذا الظرف العصيب ، واذ بهؤلاء الرجال يعملون ادواتهم في تقطيع ونشر الاشجار فالقى

رجالنا القبض عليهم ، وها هم بين يديكم : فهؤلاء هم اعدائي واعداؤك يا رجل !!

     وما انهى كلامه حتى خرج معه عمه تاركا الشيخ عدنان حائرا في امره ، ولكنه تذكر ان الشيخ

حمدان فعل اختها قبل اليوم ، منذ سنوات ، فقد كان رجاله يتناوبون حراسة بيت اخيه المجاور

لبيوتهم ، ليسد الطريق على المصطادين في الماء العكر ، والعابثين في النار ....

     واحس الرجل بارتياح كبير وكأن الجبال التي ترقد على صدره منذ يومين قد ازيحت بقدرة قادر

وبطرفة عين ، وراح يغبط هذا الرجل على قلبه الكبير الذي يتسع لنزوات الاخرين ، وعينه الساهره ،

ويده المضمده آسية الجراح ....

     وفي الصباح ، كان الشيخ عدنان بين حشد كبير من شيوخ حمولته وشبانها وعلامات الفزع على

وجوههم ، وبعد ان التأم الجمع ، اندفع يتقدمهم بخطى ثابتة ويضرب الارض بعكازه ، في طريقهم الى

بيت الشيخ حمدان .

 

شيخ البلد " قصه قصيره "

     كان يقف في باب " المنزول " وهو في حالة غضب شديد ، وقد خلع عمامته وبشته ، وامسك

بالسوطيهزه بعنف . وكان الرجل صاحب راس كبير ، وله عينان واسعتان مستديرتان كعيني ام قويق .

ولحيته تتدلى على صدره وفكه الاسفل يرتعش ، وجسمه الضخم يرتجف ،وراح يسب ويلعن ويقول:

- كيف يجرؤ هذا الجرو الصغير على شتم حفيدي ! انها الطامه الكبرى ! لعن الله امه الخائته واباه

المفصوع !!

وأرسل الناطور لاستدعاء والده ، انه لم يأت بعد ، ومتى حضر الشيخ العجوز سوف يلقى جزاءه على

سوء تربية جرائه ، عليه ان يعلمهم ان العين التي تنظر الينا شزرا سملناها ، واللسان الذي يجروء على

شتمنا قطعناه ! واليد التى تمتد الينا غدرا بترناها !!!

     والمنزول في البلد كان اشبه بقبو واسع كبير ، يقسم الى قسمين : فالاول - ديوان ضيوف القرية

والغرباء . والثاني - اسطبل للخيل والبهائم . فلقد كان في كل قرية منزول ايام الحكم العثماني ، هو

مأوى الغرباء والضيوف الذين يفدون اليها في عمل او شغل او مهمه !!

     والجنادرة يبيتون فيه ، والمبيضون يتخذونه منزلا ، والبرامكه والنور يقصدونه . وفيه يصيبون

طعامهم وشرابهم . وتنعم البهائم بالشعير والتبن ، يقدمه اهل القريه بالتناوب . وامام المنزول دكة

امامها ساحة كبيرة هي ساحة البلد ، ومنتدى الرجال . يجلسون على الدكة في اوقات فراغهم . في

الصباح وعند المساء ، مع شيخ البلد والناطور ورجال الشيخ الذين يعتمد عليهم عند المهام والامور

الصعبة . يقومون في حراسة الدار وتنفيذ اوامره ، وانزال العقوبات التي يراها مناسبة ، فكان بيته سجن

القريه .

     وفي كل بلد شيخ ، هو ظل الوالي وشبح السلطان ، يسوس الناس ،